الفَائِدَةُ : (182/ 449) /
13/10/2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [ضَرُورَةُ الجَمْعِ بَيْنَ عُلُومٍ ثَلَاثَةٍ] [التَّلَازُمُ المَعْرِفِيُّ بَيْنَ العَقَائِدِ وَالأَخْلَاقِ وَالأَحْكَامِ: قِرَاءَةٌ بُرْهَانِيَّةٌ فِي وَحْدَةِ النِّسْجِ العُلْوِيِّ لِلشَّرِيعَةِ] إِنَّ مَا وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : « ... العِلْمُ ثَلَاثَةٌ ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ » ⁽¹⁾. 2 ـ بَيَانُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَيْضاً : « العِلْمُ إِمَّا آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ »⁽²⁾. بَرَاهِينٌ وَحْيَانِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى ضَرُورَةِ وُجُوبِ التَّلَازُمِ وَالمَعِيَّةِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ الثَّلَاثَةِ ، وَهِيَ : عِلْمُ العَقَائِدِ : وَقَدْ أَشَارَتْ إِلَيْهَا بَيَانَاتُ الوَحْيِ تَحْتَ عُنْوَانِ : (آيَةٌ مُحْكَمَةٌ). عِلْمُ الأخْلَاقِ وَالسُّنَنِ : وَقَدْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِـ (سُنَّةٍ قَائِمَةٍ / مُتَّبَعَةٍ) . فِقْهُ الفُرُوعِ وَالأَحْكَامِ : وَقَدْ جَسَّدَتْهُ التَّسْمِيَةُ بِـ (فَرِيضَةٍ عَادِلَةٍ). إِذَنْ : بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ الثَّلَاثَةِ تَرَاكُبٌ عُضْوِيٌّ وَنَسِيجٌ مُتَكَامِلٌ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ ؛ فَمُحَاوَلَةُ الفَصْلِ بَيْنَهَا تُعَدُّ مِنْ مَظَاهِرِ الزَّيْغِ وَالِانْحِرَافِ . فَالِاكْتِفَاءُ بِالعَقَائِدِ وَالأَخْلَاقِ مَعَ إِهْمَالِ فِقْهِ الفُرُوعِ يُؤَدِّي إِلَى الشَّطَطِ وَالضَّلَالِ ، كَمَا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الفِقْهِ بِلَا عَقِيدَةٍ وَلَا سُلُوكٍ يُفْضِي إِلَى الِانْحِرَافِ وَالجَفَافِ ؛ وَهَذَا المَعْنَى مِمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الدَّلَالَاتُ النَّقْلِيَّةُ ، وَشَهِدَتْ بِهِ التَّجْرِبَةُ الإِصْلَاحِيَّةُ. فَانْظُرْ : بَيَانَاتُ الوَحْيِ المَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ : « الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ »⁽³⁾. وَدَلَالَتُهُ قَدِ اتَّضَحَتْ ؛ فَإِنَّ المُرَادَ مِنْ عُنْوَانِ (الدُّنْيَا) فِي هَذَا المَقَامِ كِنَايَةً عَنْ عَمَلِ المَكَلَّفِ المُمَثَّلِ فِي فِقْهِ الفُرُوعِ ، وَالمُرَادَ مِنْ عُنْوَانِ (الآخِرَةِ) الوَارِدِ فِي هَذَا البَيَانِ الشَّرِيفِ أَيْضاً كِنَايَةٌ عَنْ الغَايَةِ المَنُوطَةِ بِـ صِحَّةِ العَقَائِدِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَالأَخْلَاقِ . 2 ـ إِطْلَاقُ بَيَانِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْضًا : « ... وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِنًا عَلَى مِثَالِهِ ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ ، وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ ... »(4) . 3 ـ بَيَانُ جَوَابِ الإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) عَلَى مَا كَتَبَهُ المُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ إِلَيْهِ : « ... كَتَبْتَ تَذْكُرُ أَنَّ قَوْمًا أَنَا أَعْرِفُهُمْ كَانَ أَعْجَبَكَ نَحْوُهُمْ وَشَأْنُهُمْ ، وَأَنَّكَ أَبْلَغْتَ عَنْهُمْ أُمُورًا تُرْوَى عَنْهُمْ كَرِهْتَهَا لَهُمْ ، وَلَمْ تَرَ بِهِمْ إِلَّا طَرِيقًا (5) حَسَنًا وَوَرَعًا وَتَخَشُّعًا ، وَبَلَغَكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الدِّينَ إِنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا عَرَفْتَهُمُ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ ! وَذَكَرْتَ أَنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ أَصْلَ الدِّينِ مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ ، فَوَفَّقَكَ اللَّهُ . وَذَكَرْتَ أَنَّهُ بَلَغَكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالحَجَّ وَالعُمْرَةَ وَالمَسْجِدَ الحَرَامَ وَالْبَيْتَ الحَرَامَ وَالمَشْعَرَ الحَرَامَ وَالشَّهْرَ الحَرَامَ هُوَ (6) رَجُلٌ ، وَأَنَّ الطُّهْرَ وَالاِغْتِسَالَ مِنَ الجَنَابَةِ هُوَ رَجُلٌ ، وَكُلَّ فَرِيضَةٍ افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ هُوَ (7)رَجُلٌ ، وَأَنَّهُمْ ذَكَرُوا ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَقَدِ اكْتَفَى بِعِلْمِهِ بِهِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ وَقَدْ صَلَّى وَآتَى الزَّكَاةَ وَصَامَ وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ وَاغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ وَتَطَهَّرَ وَعَظَّمَ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَالشَّهْرَ الحَرَامَ وَالمَسْجِدَ الحَرَامَ (8) . وَأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ مَنْ عَرَفَ هَذَا بِعَيْنِهِ وَبِحَدِّهِ وَثَبَتَ فِي قَلْبِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَهَاوَنَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي العَمَلِ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ إِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ فَقَدْ قُبِلَتْ مِنْهُمْ هَذِهِ الحُدُودُ لِوَقْتِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهَا (9). وَأَنَّهُ بَلَغَكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الفَوَاحِشَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا : الخَمْرَ وَالمَيْسِرَ وَالرِّبَا وَالدَّمَ وَالمَيْتَةَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ هُوَ رَجُلٌ (10) ، وَذَكَرُوا أَنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ نِكَاحِ الأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ (11) وَالْعَمَّاتِ وَالخَالَاتِ وَبَنَاتِ الأَخِ وَبَنَاتِ الأُخْتِ وَمَا حُرِّمَ عَلَى المُؤْمِنِينَ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ نِكَاحَ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُبَاحٌ كُلُّهُ . وَذَكَرْتَ أَنَّهُ بَلَغَكَ أَنَّهُمْ يَتَرَادَفُونَ المَرْأَةَ الوَاحِدَةَ ، وَيَشْهَدُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِالزُّورِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لِهَذَا ظَهْرًا وَبَطْنًا يَعْرِفُونَهُ ، فَالظَّاهِرُ مَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ يَأْخُذُونَ بِهِ مُدَافَعَةً عَنْهُمْ ، وَالبَاطِنُ هُوَ الَّذِي يَطْلُبُونَ وَبِهِ أُمِرُوا بِزَعْمِهِمْ . وَكَتَبْتَ تَذْكُرُ الَّذِي عَظُمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ حِينَ بَلَغَكَ ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ قَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ : أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ ؟ وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ ، وَأَنَا أُبَيِّنُهُ حَتَّى لَا تَكُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي عَمًى وَلَا فِي شُبْهَةٍ ... وَأُخْبِرُكَ أَنَّ هَذَا القَوْلَ كَانَ مِنْ قَوْمٍ سَمِعُوا مَا لَمْ يَعْقِلُوهُ عَنْ أَهْلِهِ ، وَلَمْ يُعْطُوا فَهْمَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا حَدَّ مَا سَمِعُوا ، فَوَضَعُوا حُدُودَ تِلْكَ الأَشْيَاءِ مُقَايَسَةً بِرَأْيِهِمْ وَمُنْتَهَى عُقُولِهِمْ ، وَلَمْ يَضَعُوهَا عَلَى حُدُودِ مَا أُمِرُوا كَذِبًا وَافْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَجُرْأَةً عَلَى المَعَاصِي ، فَكَفَى بِهَذَا لَهُمْ جَهْلًا ! وَلَوْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهَا عَلَى حُدُودِهَا الَّتِي حُدَّتْ لَهُمْ وَقَبِلُوهَا لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ ، وَلَكِنَّهُمْ حَرَّفُوهَا وَتَعَدَّوْا (12) وَكَذَبُوا وَتَهَاوَنُوا بِأَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ . وَلَكِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ حَدَّهَا بِحُدُودِهَا ؛ لِئَلَّا يَتَعَدَّى حُدُودَهُ أَحَدٌ ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا لَعُذِرَ النَّاسُ بِجَهْلِهِمْ مَا لَمْ يَعْرِفُوا حَدَّ مَا حُدَّ لَهُمْ ، وَلَكَانَ المُقَصِّرُ وَالمُتَعَدِّي حُدُودَ اللَّهِ مَعْذُورًا (13) . وَلَكِنَّ جَعَلَهَا حُدُودًا مَحْدُودَةً لَا يَتَعَدَّاهَا إِلَّا مُشْرِكٌ كَافِرٌ ، ثُمَّ قَالَ : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (14) . فَأُخْبِرُكَ حَقَائِقَ (15) أَنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) اخْتَارَ الإِسْلَامَ لِنَفْسِهِ دِينًا وَرَضِيَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِهِ ، وَبِهِ بَعَثَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : ﴿ وَبِالحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾(16) ، فَعَلَيْهِ وَبِهِ بَعَثَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . فَأَفْضَلُ (17) الدِّينِ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ وَوِلَايَتُهُمْ ، وَأُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ حَلَالًا وَحَرَّمَ حَرَامًا (18) إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ، فَمَعْرِفَةُ الرُّسُلِ وَوِلَايَتُهُمْ وَطَاعَتُهُمْ هُوَ الحَلَالُ ، فَالْمُحَلِّلُ مَا أَحَلُّوا وَالمُحَرِّمُ مَا حَرَّمُوا ، وَهُمْ أَصْلُهُ ، وَمِنْهُمُ الفُرُوعُ الحَلَالُ ، وَذَلِكَ سَعْيُهُمْ ، وَمِنْ فُرُوعِهِمْ أَمْرُهُمْ شِيعَتَهُمْ وَأَهْلَ وِلَايَتِهِمْ بِالحَلَالِ ؛ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ... وَالطَّهُورِ وَالاِغْتِسَالِ مِنَ الجَنَابَةِ وَمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِهَا وَجَمِيعِ البِرِّ . ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(19) . فَعَدُوُّهُمْ هُمُ الحَرَامُ المُحَرَّمُ ، وَأَوْلِيَاؤُهمُ الدَّاخِلُونَ فِي أَمْرِهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ؛ فَهُمُ (20) الفَوَاحِشُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَالخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالزِّنَا وَالرِّبَا وَالدَّمُ وَالمَيْتَةُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ ؛ فَهُمُ الحَرَامُ المُحَرَّمُ ، وَأَصْلُ كُلِّ حَرَامٍ ، وَهُمُ الشَّرُّ وَأَصْلُ كُلِّ شَرٍّ ، وَمِنْهُمْ فُرُوعُ الشَّرِّ كُلِّهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الفُرُوعُ الحَرَامُ وَاسْتِحْلَالُهُمْ إِيَّاهَا ، وَمِنْ فُرُوعِهِمْ تَكْذِيبُ الأَنْبِيَاءِ وَجُحُودُ الأَوْصِيَاءِ (21) وَرُكُوبُ الفَوَاحِشِ : الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبُ الخَمْرِ وَالمُسْكِرِ (22) وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالخُدْعَةُ وَالخِيَانَةُ وَرُكُوبُ الحَرَامِ كُلِّهِ وَانْتِهَاكُ المَعَاصِي . وَإِنَّمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى ، يَعْنِي مَوَدَّةَ ذِي القُرْبَى وَابْتِغَاءَ طَاعَتِهِمْ ، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ ، وَهُمْ أَعْدَاءُ الأَنْبِيَاءِ وَأَوْصِيَاءِ الأَنْبِيَاءِ ، وَهُمُ المَنْهِيُّ عَنْ مَوَدَّتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ يَعِظُكُمْ بِهَذِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وَأُخْبِرُكَ أَنِّي لَوْ قُلْتُ لَكَ : إِنَّ الفَاحِشَةَ وَالخَمْرَ وَالمَيْسِرَ وَالزِّنَا وَالمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ هُوَ رَجُلٌ ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ هَذَا الأَصْلَ وَحَرَّمَ فَرْعَهُ وَنَهَى عَنْهُ وَجَعَلَ وَلَايَتَهُ كَمَنْ عَبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَثَنًا وَشِرْكًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَفِرْعَوْنَ إِذْ قَالَ : ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾(23) ، فَهَذَا كُلُّهُ عَلَى وَجْهٍ : إِنْ شِئْتَ قُلْتَ : هُوَ رَجُلٌ وَهُوَ إِلَى جَهَنَّمَ وَمَنْ شَايَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ (24) مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾(25) لَصَدَقْتُ ، ثُمَّ لَوْ أَنِّي قُلْتُ : إِنَّهُ فُلَانٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لَصَدَقْتُ ، إِنَّ فُلَانًا هُوَ المَعْبُودُ المُتَعَدِّي حُدُودَ اللَّهِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا أَنْ تُتَعَدَّى (26) . ثُمَّ إِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّ الدِّينَ وَأَصْلَ الدِّينِ هُوَ رَجُلٌ ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ اليَقِينُ وَهُوَ الإِيمَانُ ، وَهُوَ إِمَامُ أُمَّتِهِ وَأَهْلُ زَمَانِهِ ، فَمَنْ عَرَفَهُ عَرَفَ اللَّهَ وَدِينَهُ ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ أَنْكَرَ اللَّهَ وَدِينَهُ ، وَمَنْ جَهِلَهُ جَهِلَ اللَّهَ وَدِينَهُ ، وَلَا يُعْرَفُ اللَّهُ وَدِينُهُ وَحُدُودُهُ وَشَرَائِعُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الإِمَامِ ؛ كَذَلِكَ جَرَى بِأَنَّ مَعْرِفَةَ الرِّجَالِ (27) دِينُ اللَّهِ . وَالمَعْرِفَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ : مَعْرِفَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَى بَصِيرَةٍ ، يُعْرَفُ بِهَا دِينُ اللَّهِ ، وَيُوصَلُ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ؛ فَهَذِهِ المَعْرِفَةُ البَاطِنَةُ الثَّابِتَةُ بِعَيْنِهَا ، المُوجِبَةُ حَقَّهَا ، المُسْتَوْجِبُ أَهْلُهَا عَلَيْهَا الشُّكْرَ لِلَّهِ ، الَّتِي مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهَا مِنْ مَنِّ اللَّهِ يَمُنُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مَعَ المَعْرِفَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَمَعْرِفَةٌ فِي الظَّاهِرِ ؛ فَأَهْلُ المَعْرِفَةِ فِي الظَّاهِرِ ؛ الَّذِينَ عَلِمُوا أَمْرَنَا بِالحَقِّ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ لَا تَلْحَقُ (28) بِأَهْلِ المَعْرِفَةِ فِي البَاطِنِ عَلَى بَصِيرَتِهِمْ، وَلَا يَصِلُونَ بِتِلْكَ المَعْرِفَةِ المُقَصِّرَةِ إِلَى حَقِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(29) . فَمَنْ شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ قَلْبُهُ ، وَلَا يُبْصِرُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِ ، كَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ بِجُورٍ لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ قَلْبُهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ وَثَبَتَ عَلَى بَصِيرَةٍ . فَقَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كَانَ حَالُ رِجَالِ أَهْلِ المَعْرِفَةِ فِي الظَّاهِرِ ، وَالإِقْرَارِ بِالحَقِّ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ إِلَى أَنْ انْتَهَى الأَمْرُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَبَعْدَهُ إِلَى مَنْ صَارُوا إِلَى مَنْ انْتَهَتْ (30) إِلَيْهِ مَعْرِفَتُهُمْ ، وَإِنَّمَا عُرِفُوا بِمَعْرِفَةِ أَعْمَالِهِمْ وَدِينِهِمُ الَّذِي دَانَ (31) اللَّهُ بِهِ المُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ ، وَالمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ ، وَقَدْ يُقَالُ : (إِنَّهُ مَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الأَمْرِ بِغَيْرِ يَقِينٍ وَلَا بَصِيرَةٍ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ فِيهِ) ، رَزَقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مَعْرِفَةً ثَابِتَةً عَلَى بَصِيرَةٍ . وَأُخْبِرُكَ أَنِّي لَوْ قُلْتُ : إِنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالحَجَّ وَالعُمْرَةَ وَالمَسْجِدَ الحَرَامَ وَالْبَيْتَ الحَرَامَ وَالمَشْعَرَ الحَرَامَ وَالطُّهُورَ وَالاِغْتِسَالَ مِنَ الجَنَابَةِ وَكُلَّ فَرِيضَةٍ كَانَ ذَلِكَ هُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ لَصَدَقْتُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالنَّبِيِّ ، وَلَوْلَا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ النَّبِيِّ وَالإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ مَا عُرِفَ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ مِنْ مَنِّ اللَّهِ عَلَى مَنْ يَمُنُّ (32) عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُعْرَفْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا ، فَهَذَا كُلُّهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ وَأَصْلُهُ ، وَهُوَ فَرْعُهُ ، وَهُوَ دَعَانِي إِلَيْهِ ، وَدَلَّنِي عَلَيْهِ ، وَعَرَّفَنِيهِ وَأَمَرَنِي بِهِ، وَأَوْجَبَ عَلَيَّ لَهُ الطَّاعَةَ فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ لَا يَسَعُني جَهْلُهُ . وَكَيْفَ يَسَعُني جَهْلُ مَنْ هُوَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ ؟ وَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لِي لَوْلَا أَنَّ أَصِفَ أَنَّ دِينِي هُوَ الَّذِي أَتَانِي بِهِ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَنْ أَصِفَ أَنَّ الدِّينَ غَيْرُهُ ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعْرِفَةَ الرَّجُلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ ؟ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ الدِّينَ مَنْ أَنْكَرَهُ بِأَنْ قَالُوا : ﴿ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾(33) ، ثُمَّ قَالُوا : ﴿ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (34) فَكَفَرُوا بِذَلِكَ الرَّجُلِ وَكَذَّبُوا بِهِ ، وَقَالُوا : ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ (35) ؛ فَقَالَ اللَّهُ : ﴿ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (36) . ثُمَّ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : [وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا] . إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْرَفَ بِالرِّجَالِ ، وَأَنْ يُطَاعَ بِطَاعَتِهِمْ فَجَعَلَهُمْ سَبِيلَهُ وَوَجْهَهُ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ العِبَادِ غَيْرَ ذَلِكَ ، ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (37) ، فَقَالَ فِيمَا أَوْجَبَ (38) ذَلِكَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِذَلِكَ : ﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ (39) . فَمَنْ قَالَ لَكَ : إِنَّ هَذِهِ الفَرِيضَةَ كُلَّهَا إِنَّمَا هِيَ رَجُلٌ ؛ وَهُوَ يَعْرِفُ حَدَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَدْ صَدَقَ ، وَمَنْ قَالَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ بِغَيْرِ الطَّاعَةِ فَلَا يُغْنِي التَّمَسُّكُ فِي الأَصْلِ بِتَرْكِ الفُرُوعِ ، كَمَا لَا تُغْنِي شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِتَرْكِ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا بِالبِرِّ وَالعَدْلِ وَالمَكَارِمِ وَمَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ وَالنَّهْيِ عَنِ الفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، فَالْبَاطِنُ مِنْهُ وِلَايَةُ أَهْلِ البَاطِلِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ فُرُوعُهُمْ ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ يَدْعُو إِلَى مَعْرِفَةٍ لَيْسَ مَعَهَا طَاعَةٌ فِي أَمْرٍ وَنَهْيٍ . فَإِنَّمَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ العِبَادِ العَمَلَ بِالفَرَائِضِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى حُدُودِهَا مَعَ مَعْرِفَةِ مَنْ جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ ، ثُمَّ طَاعَتُهُ فِيمَا يُقَرِّبُهُ بِمَنِ الطَّاعَةِ لَهُ ، وَإِنَّهُ مَنْ عَرَفَ أَطَاعَ ، وَمَنْ أَطَاعَ حَرَّمَ الحَرَامَ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ ، وَلَا يَكُونُ تَحْرِيمُ البَاطِنِ وَاسْتِحْلَالُ الظَّاهِرِ ، إِنَّمَا حُرِّمَ الظَّاهِرُ بِالبَاطِنِ وَالبَاطِنُ بِالظَّاهِرِ مَعًا جَمِيعًا ، وَلَا يَكُونُ الأَصْلُ وَالفُرُوعُ وَبَاطِنُ الحَرَامِ حَرَام وَظَاهِرُهُ حَلَال ، وَلَا يَحْرُمُ البَاطِنُ وَيُسْتَحَلُّ الظَّاهِرُ . وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَعْرِفَ صَلَاةَ البَاطِنِ وَلَا يَعْرِفَ صَلَاةَ الظَّاهِرِ ، وَلَا الزَّكَاةَ وَلَا الصَّوْمَ وَلَا الحَجَّ وَلَا العُمْرَةَ وَلَا المَسْجِدَ الحَرَامَ وَجَمِيعَ (40) حُرُمَاتِ اللَّهِ وَشَعَائِرِهِ وَأَنْ يَتْرُكَ مَعْرِفَةَ البَاطِنِ ، لِأَنَّ بَاطِنَهُ ظَهْرُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ إِنْ تَرَكَ (41) وَاحِدَةً مِنْهَا إِذَا كَانَ البَاطِنُ حَرَامًا خَبِيثًا فَالظَّاهِرُ مِنْهُ إِنَّمَا يُشْبِهُ البَاطِنَ . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ المَعْرِفَةُ وَأَنَّهُ إِذَا عَرَفَ اكْتَفَى بِغَيْرِ طَاعَةٍ فَقَدْ كَذَبَ وَأَشْرَكَ ذَاكَ لَمْ يَعْرِفْ وَلَمْ يُطِعْ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : « اعْرِفْ وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنَ الخَيْرِ » ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْكَ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ ، فَإِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ مِنَ الطَّاعَةِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ؛ فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ مِنْكَ (42) . أُخْبِرُكَ أَنَّ مَنْ عَرَفَ أَطَاعَ ، إِذَا عَرَفَ وَصَلَّى (43) وَصَامَ وَاعْتَمَرَ وَعَظَّمَ حُرُمَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا وَلَمْ يَدَعْ مِنْهَا شَيْئًا ، وَعَمِلَ بِالبِرِّ كُلِّهِ ، وَمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ كُلِّهَا ، وَتَجَنَّبَ سَيِّئَهَا ، وَكُلُّ (44) ذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ، وَالنَّبِيُّ أَصْلُهُ ، وَهُوَ أَصْلُ هَذَا كُلِّهِ ، لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ وَدَلَّ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِهِ ، وَمَنْ عَرَفَ (45) اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ وَحَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَحَرَّمَ المَحَارِمَ كُلَّهَا ، لِأَنَّ بِمَعْرِفَةِ النَّبِيِّ وَبِطَاعَتِهِ دَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ، وَخَرَجَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ النَّبِيُّ . وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحَلِّلُ الحَلَالَ وَيُحَرِّمُ الحَرَامَ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ لَمْ يُحْلِلْ لِلَّهِ حَلَالًا وَلَمْ يُحَرِّمْ لَهُ حَرَامًا ، وَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى وَزَكَى وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ وَفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ مَنِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ طَاعَتَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ شَيئا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُصَلِّ ، وَلَمْ يَصُمْ ، وَلَمْ يُزَكِّ ، وَلَمْ يَحُجَّ ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ ، وَلَمْ يَغْتَسِلْ مِنَ الجَنَابَةِ ، وَلَمْ يَتَطَهَّرْ ، وَلَمْ يُحَرِّمْ لِلَّهِ حَرَامًا ، وَلَمْ يُحْلِلْ لِلَّهِ حَلَالًا ، وَلَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ وَإِنْ رَكَعَ وَسَجَدَ ، وَلَا لَهُ زَكَاةٌ وَإِنْ أَخْرَجَ لِكُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا (46) ، وَمَنْ عَرَفَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ أَطَاعَ اللَّهَ...» (47). وَدَلَالَتُهُ ـ كَدَلَالَةِ سَابِقِهِ ـ قَدِ اتَّضَحَتْ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى البَاطِنِ ـ المُتَمَثِّلِ بِأُصُولِ الدِّينِ وَالسُّنَنِ وَالآدَابِ ـ دُونَ الظَّاهِرِ ـ المُتَمَثِّلِ بِفِقْهِ الفُرُوعِ ـ فَقَدْ زَاغَ ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ البَاطِنِ فَقَدْ زَاغَ أَيْضًا ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا اسْتَقَامَ وَاهْتَدَى ، فَهُمَا جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهُمَا المُكَلَّفُ ، وَيَرْتَضِعُ مِنْ ثَدْيَيْهِمَا الحَقِيقَةُ ، فَلَا بُدَّ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نَهْجُ السَّعَادَةِ، 1: 30. كَنْزُ الْعُمَّالِ / 28659. (2) مِرْآةُ الْعُقُولِ، 2: 74. (3) نَهْجُ الْبَلَاغَةِ، الْكَلِمَاتُ الْقِصَارُ / 131. عَوَالِي اللَّآلِي، 1: 264 / ح 66. (4) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 29: 601 / ح 20. (5) الْأَهْدِيَا حَسَنًا (خ ل). (6) فِي الْمُخْتَصَرِ: هُمْ رِجَالٌ. (7) فِي الْمُخْتَصَرِ: فَهِيَ رِجَالٌ. (8) فِي الْمُخْتَصَرِ: وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ. (9) وَإِنْ هُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهَا (خ ل). (10) فِي الْمُخْتَصَرِ: هُمْ رِجَالٌ. (11) فِي الْمُخْتَصَرِ: الْأُمَّهَاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ. (12) فِي الْمُخْتَصَرِ: وَتَعَدَّوْا الْحَقَّ. (13) فِي الْمُخْتَصَرِ: مَعْذُورًا إِذْ لَمْ يَعْرِفُوهَا. (14) الْبَقَرَةُ: 229. (15) بِحَقَائِقِهَا (خ ل). (16) الْإِسْرَاءُ: 105. (17) فِي الْمُخْتَصَرِ: فَأَصْلُ الدِّينِ. (18) فِي الْمُخْتَصَرِ: فَجَعَلَ حَلَالَهُ حَلَالًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ حَرَامَهُ حَرَامًا. (19) النَّحْلُ: 90. (20) أَيْ عَدَّوْهُمْ كُلَّ الْفَوَاحِشِ ؛ لِأَنَّهُمُ الْآمِرُونَ بِهَا ، وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَالْخَيْرَاتِ. (21) فِي الْمَصْدَرِ: وَجُحُودِهِمُ الْأَوْصِيَاءَ. (22) فِي الْمَصْدَرِ: الْخَمْرَ وَالْمُنْكَرَ. (23) النَّازِعَاتُ: 24. (24) فِي الْمَصْدَرِ: فَافْهَمْ. (25) الْبَقَرَةُ: 113، وَالنَّحْلُ: 115. (26) فِي الْمُخْتَصَرِ : إِنِّي لَوْ قُلْتُ : إِنَّهُ فُلَانٌ وَهُوَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَصَدَقْتُ ، وَإِنَّ فُلَانًا هُوَ الْمَعْبُودُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَالْمُتَعَدِّي بِحُدُودِ اللَّهِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا أَنْ تُتَعَدَّى. (27) فِي نُسْخَةٍ : فَذَلِكَ مَعْنَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الرِّجَالِ دِينُ اللَّهِ. (28) لَا يَلْحَقُونَ (خ ل). (29) الزُّخْرُفُ : 86. (30) فِي الْمَصْدَرِ: إِلَى مَنْ صَارَ وَإِلَى مَنْ انْتَهَتْ إِلَيْهِ مَعْرِفَتُهُمْ ، وَفِي نُسْخَةٍ : إِلَى مَا صَارُوا ، إِلَى مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ مَعْرِفَتُهُمْ. (31) دَانُوا (خ ل). (32) مَنْ عَلَيْهِ (خ ل). (33) الْإِسْرَاءُ: 94. (34) التَّغَابُنُ: 6. (35) الْأَنْعَامُ: 8. (36) الْأَنْعَامُ: 91. (37) الْأَنْبِيَاءُ: 23. (38) فِي الْمَصْدَرِ: فِيمَنْ أَوْجَبَ. (39) النِّسَاءُ: 80. (40) فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا جَمِيعَ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَلَا شَعَائِرِهِ. (41) فِي نُسْخَةٍ: أَنْ يُتْرَكَ. (42) فِي الْمُخْتَصَرِ: مِنَ الطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، بَعْدَ أَنْ لَا تْتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْوَاجِبَةِ، فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ مِنْكَ مَعَ جَمِيعِ أَعْمَالِكَ. (43) لَعَلَّ الصَّحِيحَ: [إِذَا عَرَفَ صَلَّى]، وَفِي الْمُخْتَصَرِ: وَصَامَ وَزَكَى وَحَجَّ. (44) فِي الْمُخْتَصَرِ: وَمُبْتَدَأُ كُلِّ ذَلِكَ. (45) فِي الْمُخْتَصَرِ: فَمَنْ عَرَفَهُ. (46) زَادَ فِي الْمُخْتَصَرِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَا لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَعْرِفَةِ رَجُلٍ وَهُوَ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ خَلْقَهُ بِطَاعَتِهِ وَالْأَخْذِ عَنْهُ، فَمَنْ عَرَفَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. (47) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 24: 286 ـ 298 / ح 1. بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ: 154 ـ 157